بسم الله الرحمن الرحيم
ملحمة إنسانية رائعة تابعها أكثرنا على مر الشهرين الماضيين ، كانت جزء حي من الحياة ، يتصارع فيه اليأس والأمل ، الأمن والخوف ، الإيثار والأنانية ، القوة والضعف والحياة والموت …
محنة نادرة توحد فيها الشعور الإنساني في مشارق الأرض ومغاربها تسامت عن الفروقات العنصرية ، واخترقت الحدود الوهمية ، كنا نتألم لألمهم ونفرح لفرحهم بمحض الرحمة التي أودعها الله تعالى قلوب عباده ونزعها من كل عتل جواظ مستكبر ..
بدأت القصة بانهيار منجم على عمّاله في تشيلي نتيجة لسقوط صخور ضخمة ردمت عليهم سبيل نور الشمس ولكنها فتحت لهم أنوار الأمل والإيمان ..
هناك وعلى عمق 700 متر تحت باطن الأرض ، وجد ثلاثة وثلاثون رجلا ً من لحم وعظم ودم وروح كانوا يمنّون أنفسهم بعد انتهاء يوم
شاق من العمل العودة إلى ديارهم الدافئة وأطفالهم ونسائهم ، وجدوا أنفسهم حبيسي قبر جماعي كبير لا يرحم
..
هل تخيلت شعورهم في ذلك الوقت ؟؟ لو واحد مننا اتحبس في مصعد بينهار …
لا بد أن الخوف والرعب من هول المفاجأة قد شل ّ تفكيرهم لفترة طويلة قبل أن ينبس أحدهم ببنت شفة ، ولا بد أن الانهيار قد بدأ بأضعفهم ليبدأ في الإنتشار السريع كعدوى التفوّه إلى الآخرين لولا ظهوره ..
من هو ؟
إنه العامل (القائد) :لويس أورزوا.
وفي هذه المواقف تتضح جليا ً الشخصية القيادية التي تمتلك فعلا ً مقومات القيادة عن تلك المدعية والتي تستجدي ولاء الآخرين ومحبتهم بمحاولات هشة يتندرون بها في غيبته , فكما يقول المثل الحجازي:الميدان يا حميدان .
ولا بد أن للقائد أعوان ساهموا بتربيط جأش الآخرين بعد أن ربط الله على قلوبهم -والأيام القادمة ستكشف تفاصيل يومياتهم الجميلة والصعبة والتي ننتظرها بفارغ الصبر-ولعل من أهمهم (ماريو سيبولفيدا) الذي تكرر وصفه بالمرح أو خفيف الدم، كأن الإعلام يقرر بطريقة أو أخرى أن السماجة والنكد هم الأصل ويندر أن تجد المرح اللطيف صافي القلب والروح وأظنهم يقررون حقيقة واقعة ، حيث استطاع أن يرفع الروح المعنوية لزملائه ويبث في حنايا أرواحهم المنكسرة بوارق الأمل والسلو ّ والضحك ، ويخطئ الكثير منا عندما يظن أن من هكذا صفته :مهرج أو هايف أو تافه ..بالعكس كثير من هؤلاء يمتلك روحا شفافة حساسة تجد لذتها وسعادتها في إدخال السعادة على قلوب الآخرين بأي طريقة والمساعدة في تنفيس كروبهم وتحمل همومهم جبلّة جبلوا عليها بدون تكلف ، فالحذر ان تظفر بصداقة أحد منهم ثم تكون أنانيا بإستهلاك طاقاته الإيجابية المرحة فتقابلها بالإستهزاء بمشاعره وجرحها فيوشك أن يختفي من حياتك بكل هدوء وسلام وهو يحمل لك ماحيي الوفاء ثم لا تجد له سبيلا ..
وقد تحقق ظني في تميز شخصيته عندما قرأت كلماته التي صرح بها عند نجاته وهو يوزع على من حوله أحجار صغيرة جلبها معه من المنجم ملفوفة بورق السوليفان كذكرى وسط ضحكاتهم ودمعاتهم "أرجوكم ، لا تعاملونا كنجوم نحن عمال ويجب الإنتباه لوضع وحقوق العمال !!!"
لاحظ كيف استغل هذه اللحظات المؤثرة التي تخرس فيها الالسنة وتتكلم فيها العيون في تذكر معاناة إخوانه من العمّال والسعي في حلّها ، وكيف تذكر أخذ الحجارة كذكرى وقام بلفها وتزيينها لمن هم بالأعلى …ياريتني اتعرف عليك ياشيخ
نعود للبداية ، ماإن انتشر الخبر بانهدام المنجم وسمع أهالي العمّال التصريح الرسمي المتشائم والممهد لتقبل صدمة الخبر :
"فرصة العثور عليهم أحياء ضعيفة وشبه معدومة "
حتى سارعوا إلى الموقع بما خف حمله ولا بد منه مع أطفالهم ونصبوا خيمة سموها :(خيمة الأمل) متضرعين للرب أن ينجيهم ومطالبين الحكومة أن تتحمل واجبها تجاه مواطنها (الإنسان)..
تلقائيا ً تخيلت لو وقع هذا الحادث في بلد من بلداننا السعيدة !!
سيهرع أهالي العمّال متكئين على المفهوم المغلوط للقدر بفتح سرادقات العزاء ، ثم مسرعين إلى موقع المنجم لترتفع الأصوات لغطا ً من الخلاف حول :هل يجوز قراءة الفاتحة على أرواحهم ؟هل من البدعة أن نضع أكاليل الورود على قبرهم الكبير؟ هل نصلي عليهم هنا أم لا ؟ثم تتدخل الأيدي والعصي والحجارة لإزاحة غضبهم وحزنهم على رؤوس بعضهم البعض فتتدخل قوى مكافحة الشغب لتربية أولا الك… ، ثم ينفض الجميع راضيين بعزاء حكومي رقيق في الصفحة الثانية ومساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع ومشاكل لا اول لها ولا آخر مع شركات التأمين إن كان لهم تأمين ….
قبل عدة أيام أهدى لنا أحدهم جزاه الله خيرا ً شوكولاتة سنكرز من أستراليا – طبعا ً أول مرة أشوف زيها بحياتي- فوجدت خلفها عبارة لطيفة تقول : حافظ على جمال بلدك…ابتسمت وأنا أتذكر ما يكتب خلف منتجاتنا : حافظ على نظافة بلدك مع رسمه لسلة المهملات وشخص يرمي ورقة فيها لأن ال(شعب) ربما لا يعرفون شكل سلة المهملات !!منظومة نخرة عفنة من عدم الاحترام والتقدير من الأشخاص لذواتهم وبينهم وبين حكوماتهم وبينهم فيما بينهم لا نعرف لها أول ولا آخر والمتأمل في العبارتين السابقتين والفرق بينهما يجد فيهما العجب
.
(عملية النبي يونس)
هكذا سماها الرئيس التشيلي في البدء ، متيمنا ً بنجاتهم من بطن الأرض كما نجى الله نبيه من بطن الحوت ، ثم تحول اسمها لعملية(القديس سان لورينتو) المتكفل برعاية عمّال المناجم
ألا تذكركم هذه القصة بقصة أهل الكتاب التي رواها لنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للثلاثة الذين انسد الكهف بصخرة عظيمة عليهم فتوسلوا بصالح أعمالهم حتى فرجت؟؟في مثل هذه المواقف لا بد من الإيمان كقبلة الحياة في الأساس مع الأخذ بالأسباب ، سبحان الله ..
الفطرة الإنسانية تنفض من فوقها ترسبات المادية عند الشدائد فتناجي ربها الأوحد تستمد منه العون والمدد ، وما أجمل الكلمات التي قالها القائد عند نجاته :"لكن ما كان لدينا هو الإيمان ، كان لدينا الأمل في أن يتم إنقاذنا يوما ً ونشكر الله على ذلك"
(ضل ّ من تدعون إلا إياه)
(أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)
وهكذا وتحت ضغوط الأهالي بدأت العملية وتم تأمين وسائل الدعم والاستمرار للأهالي بمافيها نقل المدارس إلى موقع الحفر!!
وتم استيراد حفار ضخم أمريكي هو أحد أربعة من إخوته يعملون في أفغانستان للمساهمة في إخراجهم حيث وصلت تكلفة العملية لما يقارب العشرين مليون دولار تقديرا ً (للإنسان) ..
وبعد فترة من التنقيب تصل إلى المنقذين رسالة تبث الحياة في الكل وسيسجلها التاريخ:
"نحن جميعا ً بخير،العمال في ملجأ تحت الأرض "
تضاعف الأمل أضعاف مضاعفة ، وتفجرت الحماسة في صدور الأهالي وهمم المنقذين ولك أن تتخيل الفرحة العارمة فوق الأرض وتحتها عندما وصل الحفّار إلى العمال وتم إنزال الوجبات والمشروبات لهم بعد مدة طويلة تكفل فيها تدبير القائد بتخصيص :ملعقتين تونة ونصف كأس حليب كل 48 ساعة لكل عامل ببقائهم أحياء وبصحة جيدة ..























